محمد متولي الشعراوي

1673

تفسير الشعراوى

والظالم من البشر جاهل . لماذا ؟ لأنه قوّى الذي ظلمه ، ولم يضعفه ، فالظالم يظلم ليضعف المظلوم أمامه ، فنقول له : أنت غبي ، قليل الذكاء ؛ لأنك قويته على نفسك وفعلت عكس ما تريد . ولنوضح ذلك - وللّه المثل الأعلى - نحن جميعا عيال اللّه ، سننتقل إلى دائرة حياتنا اليومية ونرى عيالنا ، إن الواحد منا عندما يكون له أولاد ، وجاء ولد من الأولاد وظلم أخاه فقلب الوالد يكون مع المظلوم ، ويحاول الوالد أن يترضّى ابنه المظلوم . إذن فالولد الظالم ضر أخاه ضررا يناسب طفولته ، ولكنه أعطاه نفعا يناسب قوة والده ، إنه يجهل حقيقة تقويته لأخيه . وما دمنا جميعا عيال اللّه فماذا يفعل اللّه حين يرى سبحانه واحدا من خلقه يظلم آخر من خلقه ؟ لابد أن الحق سيشمل المظلوم برعايته ، وهكذا يقوى الظالم المظلوم ، والظالم بذلك يعلن عن غبائه ، فلو كان ذكيا ، لما ظلم ، ولضنّ على عدوه أن يظلمه ، ولقال : إنه لا يستأهل أن أظلمه ؛ لأنه عن طريق ظلمي له سيعطيه اللّه مكافأة كبرى ، وهي أن يجعله في كنفه ورعايته مباشرة . وقد نجد واحدا يظلم من أجل نفع عاجل ، وينسى هذا الإنسان أنه لن يشرد أبدا ممن خلقه . ونقول لمثل هذا الإنسان : أنت لن تشرد ممن خلقك ، ولكنك شردت من المخلوق وداريت نفسك ، وحاولت أن تحقق النفع العاجل لنفسك ، لكن الخالق قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم . وكأن الحق سبحانه يطمئننا بأن ننام ملء جفوننا لأنه سبحانه لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ . « وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ » لأن الظلم لا ينشأ إلا عن إرادة نفعية بغير حق ، أو إرادة الضرر بغير جرم ، واللّه غنى عن ذلك ؛ ولذلك نجد الحق يؤكد غناه عن الخلق وأنه مالك للكون كله فيقول : وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 )